أبي الفرج الأصفهاني

202

الأغاني

ثم تعمد إلى صوت قد اشتهاه واقترحه وسمعه جميع من حضر فما عابه منهم أحد فتعيبه ليتمّ تنغيصك إياه لذّته ! ؛ أما واللَّه لو [ 1 ] الفضل بن يحيى أو أخوه [ 2 ] جعفر دعاك إلى مثل / ما دعاك إليه الأمير ، بل بعض أتباعهم ، لبادرت وباكرت وما تأخّرت ولا اعتذرت ؛ قال : فأمسك الفضل عن الجواب إعجابا بما خاطب به علَّويه إسحاق ؛ فقال له إسحاق : أمّا ما ذكرته من تأخّري عنه إلى الوقت الذي حضرت فيه ، فهو يعلم أنّي لا أتأخر عنه إلا بعائق قاطع ، إن وثق بذلك منّي وإلَّا ذكرت له الحجة سرّا من حيث لا يكون لك ولا لغيرك فيه مدخل . وأما ترفّعي عنه ، فكيف أترفّع عنه وأنا أنتسب إلى صنائعه وأستمنحه وأعيش من فضله مذ كنت ، وهذا تضريب [ 3 ] لا أبالي به منك . وأما حملي النبيذ معي ، فإنّ لي في النبيذ شرطا من طعمه وريحه ، / وإن لم أجده لم أقدر على الشرب وتنغّص عليّ يومئذ ، وإنما حملته ليتمّ نشاطي وينتفع بي . وأما طعني على ما اختاره ، فإني لم أطعن على اختياره ، وإنما أردت تقويمك ، ولست واللَّه تراني متتبعا لك بعد هذا اليوم ولا مقوّما شيئا من خطئك ؛ وأنا أغنّي له - أعزّه اللَّه - هذا الصوت فيعلم وتعلم ويعلم من حضر أنك أخطأت فيه وقصّرت . وأما البرامكة وملازمتي لهم فأشهر من أن أجحده ، وإني لحقيق فيه بالمعذرة ، وأحرى أن أشكرهم على صنيعهم وبأن أذيعه وأنشره ، وذلك واللَّه أقلّ ما يستحقّونه منّي . ثم أقبل على الفضل - وقد غاظه مدحه لهم - فقال : اسمع منّي شيئا أخبرك به مما فعلوه ليس هو بكبير في صنائعهم عندي ولا عند أبي قبلي ، فإن وجدت لي عذرا وإلا فلم : كنت في ابتداء أمري نازلا مع أبي في داره ، فكان لا يزال يجري بين غلماني وغلمانه وجواريّ وجواريه الخصومة ، كما تجري بين هذه الطبقات ، فيشكونهم إليه ، فأتبيّن الضّجر والتنكَّر في وجهه ؛ فاستأجرت دارا بقربه وانتقلت إليها أنا وغلماني وجواريّ ، وكانت دارا واسعة ، فلم أرض ما معي من الآلة لها ولا لمن يدخل إليّ من إخواني أن يروا مثله عندي ؛ ففكرت في ذلك وكيف / أصنع ، وزاد فكري حتى خطر بقلبي قبح الأحدوثة من نزول مثلي في دار بأجرة ، وأني لا آمن في وقت أن يستأذن عليّ [ صاحب داري ] [ 4 ] ، وعندي من أحتشمه ولا يعلم حالي ، فيقال صاحب دارك ، أو يوجّه في وقت فيطلب أجرة الدار وعندي من أحتشمه ؛ فضاق بذلك صدري ضيقا شديدا حتى جاوز الحدّ ؛ فأمرت غلامي بأن يسرج لي حمارا كان عندي لأمضي إلى الصحراء أتفرّج فيها مما دخل على قلبي ، فأسرجه وركبت برداء ونعل ؛ فأفضى بي المسير وأنا مفكر لا أميز الطريق التي أسلك فيها حتى هجم بي على باب يحيى بن خالد ؛ فتواثب غلمانه إليّ ؛ وقالوا : أين هذا الطريق ؟ فقلت : إلى الوزير ؛ فدخلوا فاستأذنوا لي ؛ وخرج الحاجب فأمرني بالدخول ، وبقيت خجلا ، قد وقعت في أمرين فاضحين : إن دخلت إليه برداء ونعل وأعلمته أنّي قصدته في تلك الحال كان سوء أدب ، وإن قلت له : كنت مجتازا ولم أقصدك فجعلتك طريقا كان قبيحا ؛ ثم عزمت فدخلت ؛ فلمّا رآني تبسّم وقال : ما هذا الزّيّ يا أبا محمد ! احتبسنا لك بالبر والقصد والتفقّد ثم علمنا أنك جعلتنا طريقا ؛ فقلت : لا واللَّه يا سيّدي ، ولكني أصدقك ؛ قال : هات ؛ فأخبرته القصّة من أوّلها إلى آخرها ؛ فقال : هذا حقّ مستو ، أفهذا شغل قلبك ؟ قلت : إي واللَّه ! وزاد فقال : لا تشغل قلبك بهذا ، يا غلام ، ردّوا حماره وهاتوا له خلعة ؛ فجاؤني بخلعة تامّة من ثيابه فلبستها ، ودعا بالطعام فأكلت ووضع النبيذ فشربت وشرب فغنّيته ، ودعا في وسط ذلك بدواة ورقعة وكتب أربع رقاع ظننت بعضها توقيعا

--> [ 1 ] كذا في ح و « مختار الأغاني » لابن منظور ( ص 147 ) . وفي سائر الأصول : « لولا الفضل » ، وهو تحريف . [ 2 ] كذا في « مختار الأغاني » لابن منظور . وفي الأصول : « الفضل بن يحيى وأخوه . . . إلخ » بالواو ، ولا تستقيم بها العبارة . [ 3 ] التضريب : الإغراء بين القوم . [ 4 ] التكملة عن « مختار الأغاني » .